أبوظبي / د. ساره ضاهر

كنت أجلس أمام الكاتبة ياسمين الأبيض في صالون دافئ، حيث كل زاوية فيه تنطق بالهدوء والدفء الذي يعكس شخصيتها، وعندما سألتها عن كتابها الأول «لا مستحيل تحت الشمس»، شعرت أنها تنظر إليّ بعينين تملؤهما التجربة والحياة، وكأنها تقول إن ما ستخبرني به ليس مجرد كلمات، بل خلاصة مسيرة كاملة من التأمل والمعرفة. قالت بصوت هادئ لكنه عميق: «شعرت لأول مرة أن الكتاب أصبح ضرورة وليست مجرد رغبة، شعرت أن عليّ أن أوجّه رسالة واضحة للقارئ، رسالة يتوقف معها الإنسان ليتأمل ذاته، ليعيد ترتيب أولوياته، ليعي حقيقة وجوده في هذا العالم. كل ما كتبته كان دعوة للوقوف مع النفس، للوعي، للفهم، للارتقاء.»

بدأنا الحديث عن الزواج، وكان سؤالنا الأول حساسًا جدًا: هل الزواج قيد أم شراكة؟ ابتسمت وقالت: «الزواج يتحول إلى قيد مؤبد حين تُلغى المشاركة الحقيقية بين الشريكين، حين تتوقف الأفكار عن التبادل، حين تختفي الأهداف المشتركة. الزواج ليس رحلة تسلية، بل بداية لمسؤولية كبيرة، بيت مليء بالدفء، أطفال سعداء، روح إيمان ورضا، مجتمع صغير يُربّى فيه النور والسكينة.» وأضافت: «العلاقة بين الشريكين تتطلب وعيًا عميقًا، لا يكفي أن تبهرك مظاهر الحياة أو البهرجة الأولى، بل يجب أن تعرف ما في داخل هذا الشخص، تاريخه، عائلته، المواقف التي خاضها، هل هو قادر على العطاء الحقيقي دون نرجسية، هل يستطيع البقاء معك في السراء والضراء، حتى في سنوات الشيخوخة؟ هذه الأمور تتطلب وعيًا ليس سهلاً، وهذا سبب آخر لأني ضد الزواج المبكر. السن المبكرة لا تمنح الفرصة لرؤية العمق، ولا تعلم الشخص كيف يكون شريكًا حقيقيًا، ولا توفر للأزواج القدرة على التواصل الكامل، خاصة حين يكون هناك بعد جغرافي أو مسؤوليات متراكمة.»

«جهّز أبنائك للحياة، ولا تُجهّز الحياة لهم»
تحول الحديث إلى الأبناء، وقالت الكاتبة عبارتها التي أثارت التأمل العميق: «جهّز أبنائك للحياة، ولا تُجهّز الحياة لهم.» شرحت أنها تعني أننا نربي الأطفال ليكونوا قادرين على الاختيار، على التمييز بين الصح والخطأ، على مواجهة الحياة بثقة وصلابة. وأضافت: «العطاء المفرط، سواء بالمال أو الراحة الزائدة، يخلق إنسانًا متلقيًا، عاجزًا عن التجربة، لا يعرف ذاته، لا يكتشف ما يحب وما يكره. أنا أريد لأطفالي أن يكونوا مستقلين، قادرين على التعلم من أخطائهم، قادرين على الابتكار وصنع مستقبلهم بأنفسهم.»

وبينما كانت تتحدث، شعرت بصدق إحساسها تجاه الحماية الذاتية. قالت: «الحماية ليست أنانية، بل شرط أساسي. من حقي أن أعطي نفسي الأولوية، أن أضع حدودًا دون شعور بالذنب. الحب يبدأ من حماية الذات، وعندما تحمي نفسك أولًا، تستطيع أن تحب الآخرين بصدق. وهذا ما أعلّمه لأطفالي، أن يحبوا الآخرين من منطلق القوة، لا من ضعف أو خوف.»
الأحلام لا تموت، لكنها تحتاج وعيًا
سألناها عن الأحلام المؤجلة، وقالت: «الأحلام لا تموت، لكنها تحتاج وعيًا. الإنسان الواعي يعيد ترتيب أولوياته دائمًا. إذا تأخر العمر، إذا مضت السنوات دون وعي، فقد يجد نفسه في نهاية المطاف ضائعًا، ضحى بالكثير ونسي ذاته. لكن إذا وقف مع ذاته، فكر، وأعاد ترتيب أهدافه، يمكنه دائمًا أن يبدأ من جديد. هناك دائمًا محطات في الحياة، والموجة الصعبة التي نمر بها ليست نهاية الطريق، بل هي التي تدفعنا للأمام.»

الحديث انتقل إلى المرأة ودورها في الحياة، قالت ياسمين: «المرأة بكل مراحل حياتها رمز للعطاء والحنان والقوة. منذ أن تكون ابنة، إلى أن تصبح زوجة، أمًا، ثم جدة، هي دائمًا في مرحلة العطاء. لكن يجب أن تعرف قيمتها، أن تحافظ على أنوثتها، على رغباتها، على أحلامها، على حقها في أن تعيش ذاتها. المرأة القادرة على التوازن تعطي الآخرين من قلبها، وتبقي على ذاتها مشتعلة، تنقل القوة والوعي لأطفالها، وتترك بصمة في المجتمع، سواء من خلال بيتها أو عملها أو المجتمع.»
ولم يفتنا أن نناقش تجربتها مع الغربة، فقالت: «الغربة كانت نقطة فاصلة في حياتي، بداية جديدة. البداية دائمًا صعبة، لكنها تعلم الصبر، تعلمك كيف تبدأ من الصفر، تكشف لك معاني لم تكن لتكتشفها في بيئتك المألوفة. كل صعوبة، كل ألم، كل فقد يحمل رسالة ودروسًا للنمو والتطور.»
السعادة الحقيقية ليست في الماضي أو المستقبل، بل في اللحظة الحالية
ثم تطرقت إلى مسألة السعادة: «السعادة الحقيقية ليست في الماضي أو المستقبل، بل في اللحظة الحالية. الحزن هو عيش الماضي، والخوف هو عيش المستقبل. عندما نخشى المستقبل، نغيب عن الحاضر، وعندما نحزن على الماضي، نغيب عن اللحظة الحالية. السعادة موجودة الآن، في شم رائحة الطيور، سماع صوت أطفالك، رؤية الشمس تشرق، رؤية ابتسامة تحرك قلبك. هذه اللحظة، هنا والآن، هي السعادة، يجب أن نعيشها بكل حضورنا ووعيّنا.»

وأجابت عن سؤال: كيف تصف كتابها، قالت: «هو كتاب تربوي، اجتماعي، نفسي، روحاني، فيه تجليات، وقفات مع الذات، مواجهة أزمات منتصف العمر، نداء للإنسان ليقف مع نفسه، ليسأل عن النفس، عن رسالته، عن الهدف من وجوده، ليقرر إن كان سيستمر في الطريق كما كان، أم سيغير، يحسن، يرتقي، ويكتشف ذاته. الكتاب يدعو للوقوف أمام الحياة بوعي، لمراجعة الاختيارات، لتصحيح المسار، لإعادة ترتيب الأولويات، لفهم معنى العطاء، للأمل، للحب، للحياة.»
ومع كل هذه الكلمات، كان الحوار يتدفق بسلاسة، كل فكرة تتصل بالأخرى، كل تجربة تفتح بابًا جديدًا للتأمل، كل إجابة من ياسمين كانت مليئة بالصدق والشفافية، تنسج بين التجربة الشخصية والفلسفة الروحية، بين العلم النفسي والاجتماعي، بين الواقع والطموح، بين الألم والنور. كانت تلمس كل الحضور، من المراهقين إلى كبار السن، من الذين يسعون لفهم معنى وجودهم، إلى من يبحث عن طرق لتطوير ذاته، لتقوية وعيه، لإعادة ترتيب حياته، لاستعادة أحلامه المؤجلة.
تحدثنا عن التجارب المتكررة، عن التعلق، عن ترك الأشياء والعودة إليها، عن اكتشاف الحاضر كالسعادة الحقيقية، عن كيف نعيش كل لحظة كما هي، كيف نستمع لها ونستمتع بها، كيف نقدر الصعوبات كدرس، كيف نواجه الغربة كفرصة، كيف نحمي أنفسنا لنستطيع أن نعطي الآخرين، كيف نربي أطفالنا ليكونوا مستقلين، أحرارًا، وواعين.
وفي ختام اللقاء، قالت: «الوعي هو البوصلة الحقيقية، الثابت الداخلي الذي يمنحنا القدرة على مواجهة كل التحديات، ليس المهم أين نكون، بل كيف نكون. كيف نحمل وعينا، كيف نعيش اللحظة، كيف نحمي أنفسنا ونوازن بين العطاء وتحقيق الذات. الوعي يمنح الإنسان القدرة على أن يكون مستقلاً في قراراته، قوياً في موقفه، قادرًا على العطاء دون أن يفقد نفسه، حاضراً في علاقاته مع الآخرين دون أن يتوه في خضم الحياة.»
كان اللقاء طويلًا، ممتدًا، متدفقًا، وكأن كل كلمة تقولها ياسمين تشعل فينا شرارة التفكير، تحفزنا على المراجعة، على الوقوف مع النفس، على إعادة ترتيب حياتنا. كل قصة، كل مثال، كل تأمل فلسفي، كل موقف عملي، كانت بمثابة دعوة للوعي، رسالة للعيش بصدق، قوة، حضور، حب، وحرية.
«لا مستحيل تحت الشمس» ليس مجرد كتاب، بل رحلة حياة
غادرت الجلسة وأنا أشعر أن «لا مستحيل تحت الشمس» ليس مجرد كتاب، بل رحلة حياة، تجربة شعورية، دليل ووعي، رسالة لكل من يريد أن يعيش بصدق ووعي، يكتشف ذاته، يعيد ترتيب أولوياته، ويعيش الحياة كما هي، بقوة، بحب، وبحضور كامل. الكتاب بمثابة صرخة لإيقاظ الإنسان، لوقف النزف الفوضوي للفكر التقليدي والروتين العرفي، للعودة إلى جوهر الحياة، للوعي الداخلي، للبحث عن المعنى، للعيش بصدق مع الذات والعالم من حوله.
تاريخ النشر : 2/23/2026