ليس كل شي يحتاج إلى AI والحوكمة تبدأ من المؤسس قبل أن تصبح أزمة بين الأجيال

لم تعد الفرص الاستثمارية الكبرى تُقاس فقط بحجم رأس المال، بل بقدرتها على حل مشكلة حقيقية والاستمرار في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. وبين الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاستدامة، وتحديات انتقال الشركات العائلية بين الأجيال، تتغير قواعد الاستثمار والأعمال في دولة الإمارات.
في حوار خاص مع مجلة الوثبة، يضع سعادة ماهر الكعبي، مستشار رئيس مجلس الإدارة وعضو مجلس إدارة مستقل في مجموعة السركال، خريطة عملية لما يراه أهم تحولات المرحلة المقبلة، مستندًا إلى خبرة طويلة في العمل المصرفي والتكنولوجيا والاستثمار والحوكمة والاقتصاد الدائري.
بالنسبة إليه، الاتجاه واضح.. الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الدائري ليس مجرد إتجاهين عالميين بل مساحتان ستولد داخلهما مجموعة كبيرة من فرص الأعمال والاستثمار في السنوات المقبلة.
لو أراد مستثمر دخول السوق الإماراتية اليوم، أين تنصحه أن ينظر أولًا؟

هناك اتجاهان أساسيان تعمل عليهما معظم دول العالم اليوم:
الأول هو الاقتصاد الرقمي، وتحته تدخل مجالات واسعة: الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتوأمة الرقمية والحوسبة الكمية، والتقنيات المالية والعملات الرقمية وغيرها.
والثاني هو الاقتصاد الدائري والاستدامة؛ الطاقة المتجددة، والمدن والمباني الخضراء، والتنوع البيولوجي، وإعادة تدوير الموارد وتقليل الهدر.
وهذا لا يعني أن الصحة أو التكنولوجيا الحيوية أو القطاعات الأخرى ليست مهمة، لكنها هي أيضًا أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالتكنولوجيا.
الإمارات والخليج يشهدان حجمًا ضخمًا من المشاريع، ولذلك أمام المستثمر فرص واسعة جدًا، خصوصًا في هذين الاتجاهين.
لكن ما الاقتصاد الدائري ببساطة؟
في الاقتصاد الخطي نستخرج المواد، نصنع منها منتجًا، نستخدمه، ثم نتخلص منه كنفايات.
أما في الاقتصاد الدائري، فالسؤال يصبح: كيف أبقي المواد أوالمنتجات داخل الاقتصاد لأطول فترة ممكنة من خلال إستخراج المواد وإعادة إستخدامها، أي نعيد الاستخدام، ثم التدوير، وأيضا نقوم بتصميم المنتجات من البداية بطريقة تجعل استعادة مكوناتها واستخدامها مجددًا أكثر سهولة.
بمعنى آخر، ما كان يُعتبر بالأمس «نفايات» يمكن أن يصبح اليوم مادة أولية وفرصة أعمال جديدة.
قبل أن أرى الأرقام… أريد أن أعرف ثلاثة أشياء
عندما تقيّم شركة أو فرصة استثمارية، ماذا تنظر إليه قبل البيانات المالية؟
أولًا: ما المشكلة التي يحلها المشروع؟ وهل يعمل في قطاع توجد فيه حاجة حقيقية؟
ثانيًا: أين الابتكار؟ هل يقدم شيئًا جديدًا أو يطور نموذجًا قائمًا بطريقة يمكن أن تغير السوق؟
وثالثًا: من يقف خلف الفكرة؟
أنظر إلى المؤسسين والفريق: لماذا بدأوا المشروع؟ هل لديهم شغف حقيقي به؟ وهل الفريق متجانس وقادرعلى الاستمرار؟
الفكرة وحدها لا تكفي الشخص الذي يقف خلفها هو الذي سيطورها عندما يتغير السوق.
لماذا يقول «المستثمر» لا لفكرة جيدة؟
شركات ناشئة كثيرة لديها أفكار قوية لكنها تفشل في جذب المستثمرين لماذا؟
إحدى المشكلات الأساسية هي عدم التوافق بين المشروع والمستثمر.
قد تذهب بفكرة ممتازة إلى مستثمر لا يستثمر أصلًا في قطاعك وقد يكون القطاع مناسبًا له، لكنه لا يدخل في المرحلة التي وصلت إليها شركتك.
كل مستثمر لديه معايير واضحة: القطاع، مرحلة الاستثمار، السوق الجغرافي وحجم الاستثمار.
لذلك، قبل أن تسأل: «لماذا رفضني المستثمر؟»، اسأل أولًا هل ذهبت إلى المستثمر المناسب؟
على رائد الأعمال أيضًا أن يعرف أين وصل فعليًا هل لديه إيرادات؟ هل لديه عملاء؟ هل أثبت وجود طلب؟ وهل يستطيع الانتقال من السوق المحلي إلى الإقليمي أو العالمي؟

ليس كل شيء يحتاج إلى AI
كيف تستطيع الشركات استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف وزيادة الإنتاجية؟
يجب أولًا تحديد العمليات التي تحتاج فعلًا إلى الذكاء الاصطناعي.
ليس كل شيء يحتاج إلى. AI
أحيانًا تكون الرقمنة البسيطة كافية. فلماذا أستخدم نموذجًا معقدًا ومكلفًا لحل مشكلة يمكن حلها بنظام رقمي بسيط؟
الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلي يجب أن يكون عاملًا مساعدًا للإنسان، وليس مجرد وسيلة لاستبداله.
نعم، وظائف ستتغير، وبعضها ستختفي، لكن التكنولوجيا تخلق في المقابل وظائف ومهارات جديدة.
وأحب أن أعبّر عنها بهذه المعادلة:
Human Intelligence + AI = Perfect Intelligence
الآلة تستطيع معالجة كميات هائلة من المعلومات والعمل باستمرارية، لكن الإنسان يمتلك الحكم والخبرة وفهم السياق.
القوة الحقيقية تأتي عندما نجمع الاثنين.
الاستثمار في AI لا تنجرفوا وراء الضجة
أين تنصح الشركات بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟
المجالات كبيرة جدًا: البحث والتطوير، تطويرالأدوية، الصناعة، استكشاف الفضاء، تحليل البيانات وحل مسائل معقدة، البيانات المالية، الخ..
لكن يجب ألا تنجرف الشركات وراء الضجة.
السؤال ليسهل نستخدم AI ؟
السؤال الصحيح هو ماذا سيضيف AI إلى أعمالنا؟
هل سيخفض التكلفة؟ هل سيرفع الإنتاجية؟ هل سيحسن القرار؟ أم سيخلق مصدر دخل جديدًا؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، يجب إعادة التفكير في الاستثمار..
الخطأ الذي قد يقتل شركة ناجحة: تمويل البداية ونسيان الاستمرار
من خبرتك المصرفية، أين تخطئ الشركات الصغيرة والمتوسطة ماليًا؟
من أكبر الأخطاء أن يحسب المؤسس الأموال المطلوبة لبدء المشروع ولا يحسب الأموال المطلوبة لاستمراره
قد يحصل على التمويل، ثم يوزعه بطريقة غير صحيحة: ميزانية تسويق أكبر من الحاجة، أو تكلفة تطوير تقني مبالغ فيها، أو لا يعرف متى يجب أن يبدأ البحث عن الجولة التمويلية التالية
من اليوم الأول يجب أن يجيب النموذج المالي عن أربعة أسئلة:
كم نحتاج للانطلاق؟ كم نحتاج للاستمرار؟ أين سيذهب المال؟ ومتى سنحتاج إلى تمويل جديد؟
الفكرة الممتازة لا تستطيع وحدها تعويض ضعف الإدارة المالية.
قبل أن تتوسع خارج الإمارات… اسأل: ما المشكلة التي أحلها؟
كيف تختار الشركة الإماراتية أول سوق دولية تدخلها؟
أعود دائمًا إلى السؤال الأساسي :
ما المشكلة التي تحلها؟ وهل هي مشكلة محلية أم عالمية؟
إذا كانت المشكلة موجودة في عدة دول، ندرس أين الحاجة الأكبر، وحجم السوق، والتشريعات، ومدى قابلية نموذج العمل للتوسع..
وأحيانًا نكتشف أن سوقًا آخر أنسب من الإمارات لفكرة معينة بسبب تشبع السوق المحلي.
اختيار السوق يجب ألا يكون عاطفيًا؛ يجب أن يبدأ من المشكلة والطلب الحقيقي
الشركات العائلية «الحوكمة لا تبدأ عند ظهور الخلاف»:
ما الذي يجب أن تفعله العائلة قبل أن يصبح انتقال الشركة إلى الجيل التالي مشكلة؟
كلما كبرت الشركة، أصبحت الحوكمة ضرورة وليست خيارًا.
والمشكلة تبدأ عندما تكبر المؤسسة بينما يبقى القرار فرديًا.
الحوكمة ليست وثيقة من مئات الصفحات توضع في المكتب، الحوكمة تعني أن تكون هناك آلية لاتخاذ القرار ومجلس إدارة فعلي، ومسؤوليات وصلاحيات واضحة، وأن تُتخذ القرارات وفق النظام.
والأهم أن المؤسس نفسه يجب أن يكون أول من يلتزم بالحوكمة.
إذا اتخذ مجلس الإدارة قرارًا يخالف رأيه، ثم احترم المؤسس القرار، فهو بذلك يزرع ثقافة مؤسسية سيحملها الجيل الثاني والثالث.
أما إذا كانت القواعد تتغير عندما لا تعجب صاحب القرار، فلا توجد حوكمة فعلية.
وهل وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة مهم؟
جدًا.
داخل العائلة قد توجد حساسيات أو اختلافات طبيعية العضو المستقل لا يمثل أخًا أو ابنًا أو طرفًا من أطراف العائلة.
هو موجود لينظر إلى مصلحة الشركة واستدامتها والعائلة ككل.
وفي بعض الشركات العائلية الناجحة، يمثل المستقلون نسبة كبيرة من أعضاء مجلس الإدارة. هذا يساعد على تحويل المؤسسة من شركة تعتمد على الفرد إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار بعده.
كيف تتحول النفايات إلى Business؟ أعطنا مثالًا عمليًا على الاقتصاد الدائري.
لدينا مثال من تجربة مجموعة السركال في التعامل مع مخلفات الدهون والزيوت والشحوم الناتجة عن المنشآت الغذائية.
في البداية كانت المشكلة بيئية وتشغيلية: هذه المخلفات تؤثر في شبكات الصرف الصحي في مدينة دبيز.
بدأ الحل باستخدام مصائد الشحوم، ثم تطورت الفكرة: لماذا نجمع هذه المخلفات ثم نتخلص منها؟ لماذا لا نعالجها ونستفيد منها؟
وهكذا أصبح بالإمكان استعادة المياه الناتجة عن عمليات المعالجة والاستفادة من مكونات أخرى في تطبيقات صناعية، بما فيها مواد يمكن استخدامها في إنتاج الوقود الحيوي.
وهذا بالنسبة إلي جوهر الاقتصاد الدائري:
أن تحول مشكلة بيئية إلى مورد… والمورد إلى نموذج أعمال.
وظائف ستتغير… لكن قيمة الإنسان لن تختفي
ما المهارات التي ستصبح أكثر أهمية بحلول 2030؟
الكثير من الأعمال الروتينية ستصبح آلية أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
المحاسبة، والأعمال القانونية المساندة، والتصميم وبعض عمليات التحليل ستتغير بصورة كبيرة.
لذلك ستنتقل قيمة الإنسان أكثر نحو التفكير النقدي، واتخاذ القرار، والابتكار، وفهم المشكلات، والقدرة على استخدام التكنولوجيا بذكاء.
لا يجب أن ندرّب الجيل الجديد على منافسة الآلة في العمل الذي تستطيع القيام به أسرع منه.
علينا أن نعلمه كيف يفكر، وكيف يبتكر، وكيف يستخدم الآلة ليصبح أكثر قدرة.
مليون درهم على الطاولة… أين يضعها ماهر الكعبي؟
لو كان أمامك اليوم مليون درهم للاستثمار في فرصة أعمال داخل الإمارات، أين تبحث أولًا؟
سأعود إلى الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الدائري.
ومن المجالات التي أرى فيها فرصة واضحة النفايات الإلكترونية E-waste.
الهواتف والأجهزة الإلكترونية تحتوي على مواد ذات قيمة يمكن استعادتها وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية بدل التخلص منها.
لكنني لن أستثمر لمجرد أن الفكرة جيدة.
أحتاج إلى ثلاثة شروط:
أولًا التشريعات: يجب أن توجد منظومة تضمن وصول المخلفات إلى المنشآت المرخصة لمعالجتها.
ثانيًا: استدامة المواد الأولية. إذا بنيت مصنعًا، يجب أن أعرف أن تدفق النفايات الإلكترونية سيستمر.
ثالثًا: الامتثال والتتبع. لا يكفي وجود القانون؛ يجب أن نستطيع معرفة أين تذهب المخلفات بالفعل
وهنا يلتقي الاقتصاد الدائري بالاقتصاد الرقمي.
يمكن لمنصة رقمية أن تتبع المخلفات منذ خروجها من المنشأة وحتى وصولها إلى موقع المعالجة.
المستقبل ليس في التكنولوجيا لمجرد التكنولوجيا، ولا في الاستدامة كشعار الفرصة الحقيقية هي أن تحل مشكلة حقيقية، وتحوّل الحل إلى نموذج أعمال قادر على النمو.
وهنا ربما تختصرهذه العبارة رؤية سعادة ماهر الكعبي للاستثمار المقبل في الإمارات: لا تبحث عن الترند» وحده؛ ابحث عن المشكلة التي تستحق الحل، ثم ابنِ حولها قيمة يمكن أن تستمر
تاريخ النشر : 9/22/2026